ميرزا محمد حسن الآشتياني

162

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

عدم شرطيّته في الظاهر لا يجب الإتيان به في الظاهر قطعا كما لو قام عليه نصّ بالخصوص وأصل الاشتغال ووجوب مقدّمة العلم لا يثبتان الجزئيّة والشّرطيّة في الظاهر بل مجرّد بقاء الاشتغال وعدم البراءة في الظاهر بدونهما وبالجملة فمقتضى عموم الروايات أن ماهيّة العبادات عبارة عن الأجزاء المعلومة بشرائطها المعلومة فتبيّن موارد التكليف ويرتفع عنها الإبهام والإجمال وينتفي الإشكال ولو تشبّث مانع بضعف عموم الموصولة وادّعى أن المتبادر منها بقرينة ظاهر الوضع والرفع إنما هو الحكم التكليفي فقط فأمكن دفعه ( أوّلا ) بأن الوضع والرفع لا اختصاص لهما بالحكم التكليفي فإن المراد رفع فعليّة الحكم ووضعها وهو صالح للتعميم إلى القسمين فيكون التخصيص تحكما ( وثانيا ) بأن من الأصول المتداولة المعروفة ما يعبّرون عنه بأصالة العدم وعدم الدليل دليل العدم فيستعملونه في نفي الحكم التكليفي والوضعي ونحن قد تصفّحنا ولم نجد لهذا الأصل مستندا يمكن التمسّك به غير عموم هذه الأخبار فيتعيّن تعميمها للحكم الوضعي ولو بمساعدة أفهامهم وحينئذ فيتناول الجزئية والشرطية المبحوث عنهما في المقام ( ولك ) أن تقول بأن ضعف شمول الرواية للمقام منجبرة بالشهرة العظيمة التي كادت أن تكون إجماعا على ما حكاه الفاضل المعاصر وربما يظهر بالتفحّص في مصنّفاتهم والتتبع في مطاوي كلماتهم وساق الكلام إلى أن قال ولنا في المقام كلام آخر يأتي بيانه في الأدلة العقليّة انتهى كلامه رفع مقامه والأولى نقل كلامه بطوله في الأدلّة العقليّة أيضا لارتباطه بالمقام قال قدس سره بعد جملة كلام له في بيان أصل العدم والفرق بينه وبين أصالة البراءة بجريانه في الأحكام الوضعيّة كالجزئيّة والشرطيّة دونها والاستدلال له بوجهين أحدهما أخبار الاستصحاب والإيراد عليه بأن التعويل عليها لإثبات الماهيّة المردّدة تعويل على الأصول المثبتة التي لا نقول بها ما هذا لفظه الثاني عموم ما دلّ على أنه رفع عن هذه الأمّة ما لا يعلمون وأنّ ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم إلى غير ذلك من الأخبار التي مرّ ذكرها وتخصيصها بالحكم التكليفي خروج عما يقتضيه وضع اللفظ من غير دليل وقيام الدليل في بعض الأحكام الوضعيّة وعدم اشتراطه بالعلم لا ينافي تعميمه إلى الموارد التي لا دليل فيها على ذلك ( ثمّ ) دائرة أصل العدم بحسب هذا الدليل أعني الأخبار أوسع من دائرته بحسب الدليل السابق لجريانه بمقتضى هذا الدليل في مطلق أحكام الوضع حتى الجزئيّة منها والشرطيّة والمانعيّة لأن المفهوم من أخبار الباب رفع الحكم المجهول وإثبات ما يترتّب عليه من الأحكام الشرعيّة وغيرها ممّا يترتب عليه أحكام شرعيّة عملا بظاهر الإطلاق السالم عما يقتضيه صرفه هنا عنه إذ الوجه الذي قرّرناه في منع الإطلاق أخبار الاستصحاب غير متطرّق إلى إطلاق هذه الأخبار ولولا ذلك لالتزمنا بالإطلاق هناك أيضا فاتّضح بما قرّرناه أن الأصل المثبت بالمعنى المذكور إن كان استصحابا لم يعتبر وإن كان أصل العدم بالاعتبار الذي ذكرنا كان معتبرا هذا تحقيق ما أدّى إليه نظري سابقا والذي أدّى إليه نظري لاحقا فساد هذا الوجه فإن الظاهر من أخبار الوضع والرفع وما في معناهما إنما هو وضع المؤاخذة والعقوبة ورفعهما فيدلّ على رفع الوجوب والتحريم الفعليّين في حقّ الجاهل دون غيرهما وحملهما على رفع نفس الحكم وتعميمه إلى حكم الوضع مع بعده عن سياق الرواية مناف لما تقرر عند الأصحاب من أن أحكام الوضع لا تدور مدار العلم بل ولا العقل والبلوغ ولهذا تراهم يحكمون في مباحث الفقه بترتّب أحكامها الوضعيّة كالحدث بأنواعه والطهارة والنجاسة والملكيّة المتعلّقة بالعين والمنفعة بأقسامها المقررة والضمان والخيارات والصحة والبطلان إلى غير ذلك مما لا يحصى على الصغير والمجنون والجاهل والعاقل إلّا فيما شذ وندر وبالجملة فالذي يظهر من اتفاقهم أن الأصل في أحكام الوضع عمومها للعالم وغيره وأن الخروج من هذا الأصل في بعض الموارد النادرة إنما هو لدلالة دليل عليه بالخصوص ( ثمّ ) نؤكّد الكلام في منع دلالة هذه الأخبار على أصالة عدم الجزئيّة والشرطيّة وما في معناهما بالنسبة إلى ما شكّ في اتصافه بذلك بأن مرجع عدم وضع الجزئيّة والشرطيّة في الجزء والشرط المشكوك فيهما إلى عدم وضع المركّب من ذلك الجزء والمشروط بذلك الشرط فإن عدم جزئيّة الجزء بمعنى عدم كليّة الكلّ وعلى قياسه الشرط والمشروط ولا ريب في عدم جريان أصل العدم بالنسبة إلى المركّب والمشروط لأن أصالة عدم وضع الأكثر في مرتبة أصالة عدم وضع الأقلّ وأصالة عدم وضع المقيّد في مرتبة أصالة عدم وضع المطلق يعارضهما العلم الإجمالي بوضع أحدهما فيسقطان عن درجة الاعتبار فكذا ما يرجع إلى ذلك ممّا لا يغايره إلّا بمجرّد المفهوم سلّمنا مغايرتهما بغير المفهوم لكن لا خفاء في أن الجزئية والشرطيّة لا يستدعيان وضعا مغايرا لوضع الكل والمشروط بل هما اعتباريان عقليان متفرعان على وضع الكل والمشروط وعدمهما من الحكم الشرعي مبني على مراعاة هذا الاعتبار وإلا قلنا عند التحقيق منه فلا ينصرف الوضع والرفع في الأخبار إليهما سلّمنا لكن لا ريب في أن الجزئيّة والشرطيّة كما ينتزعان من اعتبار الجزء في الكلّ والشرط مع المشروط كذلك ينتزع عدمهما من عدم اعتبارهما فيكون عدمهما أيضا حكما وضعيّا كثبوتهما ونسبة عدم العلم إلى كل منهما بالخصوص سواء فلا وجه لترجيح إعمال الأصل بالنسبة إلى أحدهما بالخصوص مع العلم بانتقاض الأصل بالنسبة إلى أحدهما لا على التعيين فيسقط الاستدلال بأخبار الوضع والرفع وما في معناهما بقي الاحتجاج برواية من عمل بما علم كفى ما لم يعلم فالوجه في الجواب القدح في دلالته بأن الظاهر مما علم ما علمه من المطلوبات النفسيّة دون الغيريّة والإتيان بما علم من أجزاء العبادة وشرائطها ليس إتيانا بما علم أنه مطلوب نفسي فلا يندرج في عموم الرواية سلّمنا لكن معنى ما علم ما علم مطلوبيّته لا ما علم جزئيّته أو شرطيّته ولا ريب في العلم بمطلوبيّة الجزء والشرط المشكوك فيهما من باب المقدّمة فلا يندرجان في عموم ما لم يعلم فاتضح ممّا حققنا أن المستند على حجيّة أصل العدم في أحكام الوضع منحصر في الاستصحاب وقد بيّنا عدم